ابن الأثير
13
الكامل في التاريخ
ابنه الحارث ليس له ولد غيره ، فحفر بين إساف ونائلة في الموضع الّذي تنحر [ فيه ] قريش لأصنامها ، وقد رأى الغراب ينقر هناك . فلمّا بدا له الطويّ كبّر ، فعرفت قريش أنّه قد أدرك حاجته ، فقاموا إليه فقالوا : إنّها بئر أبينا إسماعيل ، وإنّ لنا فيها حقّا فأشركنا معك . قال : ما أنا بفاعل ، هذا أمر خصصت به دونكم . قالوا : فإنّا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها . قال : فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم . قالوا : كاهنة بني سعد بن هذيم ، وكانت بمشارف الشام . فركب عبد المطّلب ومعه نفر من بني عبد مناف ، وركب من كلّ قبيلة من قريش نفر ، حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز والشام فني ماء عبد المطّلب وأصحابه ، فظمئوا حتى أيقنوا بالهلكة ، فطلبوا الماء ممّن معهم من قريش فلم يسقوهم . فقال لأصحابه : ما ذا ترون ؟ فقالوا : رأينا تبع لرأيك فمرنا بما شئت . قال : فإنّي أرى أن يحفر كلّ رجل منكم لنفسه حفرة ، فكلّما مات واحد وأراه أصحابه حتى يكون آخركم موتا قد وارى الجميع ، فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب . قالوا : نعم ما رأيت . ففعلوا ما أمرهم به . ثمّ إن عبد المطّلب قال لأصحابه : واللَّه إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت لا نضرب في الأرض ونبتغي لأنفسنا لعجز . فارتحلوا ومن معه من قبائل قريش ينظرون إليهم ، ثمّ ركب عبد المطّلب ، فلمّا انبعثت به راحلته انفجرت من تحت خفّها عين عذبة من ماء ، فكبّر وكبّر أصحابه وشربوا وملئوا أسقيتهم ، ثمّ دعا القبائل من قريش فقال : هلمّوا إلى الماء فقد سقانا اللَّه . فقال أصحابه : لا نسقيهم لأنّهم لم يسقونا . فلم يسمع منهم وقال : فنحن إذا مثلهم ! فجاء أولئك القرشيون فشربوا وملئوا أسقيتهم وقالوا : قد واللَّه قضى اللَّه لك علينا يا عبد المطّلب ، واللَّه لا نخاصمك في زمزم أبدا ، إنّ الّذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو الّذي سقاك زمزم ، فارجع إلى سقايتك راشدا .